الشريف المرتضى

65

الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )

على أهل طبقته ؛ لكثرة فنون شعره . فأمّا جرير والفرزدق فالاختلاف في تفضيلهما أيضا مشهور ؛ فبعض العلماء والرّواة يفضّل جريرا ، وبعض آخر يفضّل الفرزدق . وآخرون يفضّلون الأخطل على الجميع ، ويقولون : إنّه أشدّهم أسر شعر « 1 » ، وأشبههم بمذهب الجاهليّة ، ولكلّ فيما ذهب إليه قول واحتجاج . ومن تأمّل أقوال الناس في هذه المعاني حقّ تأمّلها علم أنّها كالمتكافئة المتقابلة ، وأنّه لا مذهب منها إلّا وله مخرج وفيه تأوّل ، وأنّ الحقّ المحض لو التمس في خلالها لتعذّر وجوده . وقد علمنا أنّ هؤلاء ، وإن اختلفوا فيما حكيناه ، فلا اختلاف بينهم في أنّ كلام الجماعة يقارب بعضه بعضا . وكلّ من فضّل أحدهم على غيره يقرّ بأنّ كلام المفضول مقارب لكلام الفاضل . وليس هذا ممّا تدخل الشّبهة فيه دخولها في الأوّل ، ولا ممّا يصحّ أن يعتقد فيه المذاهب المختلفة ؛ فقد عاد الأمر إلى أنّه لو كان صلّى اللّه عليه وآله تحدّاهم بأن يأتوا بمثل ما أتى به على هذا الوجه لكان متحدّيا بما لا سبيل إلى علمه ، ومطالبا لهم بما لو أحضروه لم يخرجوا عن التّبعة . وقد مضى أنّهم لو كانوا فهموا ذلك من التحدّي لما صبروا تحته ، ولا أمسكوا عن المواقفة عليه ؛ فقد دلّ ما ذكرناه على أنّ التحدّي إنّما كان بإيراد ما هو ظاهر في كلامهم ، ومعلوم من حالهم . وبعد ، فلو كان التماثل الّذي عناه السائل ممّا لا يعترض فيه شك ، وكان أمره واضحا جليّا - وليس كذلك في الحقيقة - لم يقدح « 2 » الاعتراض بالتحدّي به في إعجاز القرآن على مذهبنا ؛ لأنّا قد بيّنا قبل هذا الموضع أنّهم لو تحدّوا بذلك

--> ( 1 ) أي أحكمهم صناعة للشّعر . ( 2 ) في الأصل : يقدم ، والظاهر ما أثبتناه .